رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
ads
ملفات شخصية
الأحد 04/فبراير/2018 - 11:40 ص

الترابي عبقري الإخفاق

الترابي عبقري الإخفاق
ماهر فرغلي
aman-dostor.org/7475

الترابي، هو المثل الأعلى لثعالب السياسة، حيث كان له قدرة قوية وعجيبة على الخطابة، أهلته ليكون زعيماً سياسياً سودانياً، يغير مجرى التاريخ السودانى.

كان للرجل قدرة عجيبة على التقلب من أقصى اليمين لأقصى اليسار، وطرح آراء دينية تثير حتى رفقاء دربه، مثل تحريم النقاب، وجواز زواج المسلمة من كتابي.

أطلقوا عليه «البراغماني» و«الميكافيلي» فقد كان له قدرة عجيبة على التحول، وإخفاء حقيقة ما يفكر به، وتوظيف الأربع لغات الأجنبية التي يتقنها، مما أعطاه مكانة كبيرة، مكّنته من أن يكون أحد القواد للثورة على نظام الرئيس إبراهيم عبود في عام 1964، ثم تطويقه لنظام نميرى، والتغلغل به حتى أصبح وزيراً للعدل، وبعدها تخطيطه للانقلاب على حكومة الصادق المهدي، ليقود السودان من خلف البشير سنوات طويلة.

كان الترابي ينكر إخوانيته، وحين وصل الإخوان للحكم في مصر، سافر إلى القاهرة والتقاهم، ونصحهم ألا يستحوذوا على كل شيء، وقال: "الحركة الإسلامية لم تقرأ التاريخ الإسلامي جيدا عندما أقدمت على الاستيلاء على السلطة في السودان".

وقت الثورة، والانقلاب على الفريق ابراهيم عبود، ووصل النميرى للحكم، وقرر الأول اعتزال السياسة إلى الأبد، واستثمر الترابي مشاركته فى الأحداث، فخاف منه النميرى، فاعتقله لمدة 7 سنوات، حتى أطلق سراحه عام 77.

بعد سلسلة من الأحداث والمواجهات، دخل الترابي في مصالحة مع نظام جعفر نميرى، والبدء في استراتيجية جديدة أطلق عليها (التمكين)، وهى تقريباً التي حصل عليها خيرت الشاطر، وحاول تنفيذها في مصر، وكانت تتضمن هذه الخطة، الانتشار في كل أرجاء السودان، وغزو المواقع المفصلية في الدولة، مثل القوات المسلحة، وإنشاء بنوك إسلامية، والعمل الاجتماعي وسط القبائل والطرق الصوفية.

ساعد في نجاح استراتيجية التمكين محاولة فاشلة شيوعية للانقلاب على النميري، مما حداه للتحالف مع الإسلاميين، وإعلان تطبيق الشريعة، وتعيين الترابي نائباً عاماً، والذى استغل الوزارة في التغلغل في مفاصل الدولة، فانقلب النميري عليه، وأودعه السجن، ووصف الإخوان أنهم تنظيم سرطانى.

أعلن الترابي بعدها انفصاله عن جماعة الإخوان، إنشاء ما يسمى بجبهة الإنقاذ، وكان من تلاميذه على عثمان طه، وغازى صلاح الدين، وكذلك عمر البشير، الذى قام بالانقلاب، وكان من المفترض، أن يترك الرئاسة لعلى عثمان، إلا أن المنصب أغراه، وبدأت الانشقاقات، فوجه ضربة قاصمة لأستاذه الترابى، وأودعه السجن بعد 48 ساعة من تصويت نواب البرلمان على تعديلات وقف وراءها الترابي، وهدفت للحد من صلاحيات البشير.

في الفترة التي كان يقود فيها الترابي البرلمان، احتضن كل الجماعات الدينية في العالم، ومنها تنظيم القاعدة، والجهاد المصري، واستخدمهم، في حرب الجنوب، وكان متورطاً بالفعل في محاولة اغتيال مبارك باديس بابا.

رفض الترابى بعد خروجه من السجن كل دعوات المصالحة والحوار، وأسس جناحاً مسلحاً فى دارفور، وهو حركة العدل والمساواة، حتى تحول قبل وفاته بشهور، ودعا للمصالحة الشاملة، بحجة أن الإسلاميين بعد عزل الإخوان فى مصر، سيواجهون تهديدا إقليميا ودوليًا، وأن التهديد لن يفرق بين أحد.

دعا الترابي لتطبيق "النظام الخالف"، وهو توحيد التيارات الإسلامية بمختلف مسمياتها، فضلا عن التيارات الصوفية والسلفية والقومية في كيان واحد، وهو ما حاول الإخوان عمله فى مصر، لكنهم فشلوا فى أكثر من مرة.

ما سبق على مستوى السياسة، أما على مستوى الفكر، فإن الرجل، كان لديه قدرة على تغيير قناعاته كل فترة وجيزة، واستنباط أحكام وفتاوى، مثل تحريم النقاب، وجواز المسلمة من مسيحي، وتغيير أصول الفقه، وتجديد الدين، ولعله ساهم بكل ما كتبه في هذا الشأن، من إنقاذ إسلاميي السودان من السقوط، وجعلهم حاضرين اجتماعياً طوال الوقت.

المهم، أن الجميع سواء معارضيه أو مناصريه اتفقوا على أن الرجل كان من المجددين فكرياً، وقد جرأ على طرح قضايا جديدة، إلا أن الجميع أيضاً أكد، أنه ساهم في انحدار السودان، وكان جزءاً من مشكلاتها.