رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
ads
حوارات
الإثنين 01/يناير/2018 - 07:32 م

«فكري الجزار»: بحثت عن الله عند الإخوان والسلفيين والشيوعيين فلم أعثر عليه.. ووجدته في «السيد البدوي» (حوار)

صورة من النسخة الورقية
صورة من النسخة الورقية
أميرة العناني
aman-dostor.org/5374

رحلة«الجزار» من الماركيسية إلي الصوفية
«الجزار» ..
- لم أبايع أحد من مشايخ الصوفية الحاليين وشيخي هو السيد "أحمد البدوي"
- ليس من مبادئ التصوف الانغماس في الدنيا ومن الدنيا أمور السياسة
- الشيوعية عدالة بلا قلب
- لا نطالب بتجديد الدين.. بل بتجديد العلم بالدين
- يجب على الدولة تبني منهج التربية الصوفية ودعمه
- المنهج الصوفي يحصن المسلم من الفكر المتطرف
- هل تصدى « الأزهر» للخطاب التراثي حول آيات السيف وأنها نسخت كل آيات الرحمة وقبول الآخر


كان يبحث عن الله، ويقرأ في كافة الاتجاهات الدينية، اتجه نحوجماعة الإخوان ، فاكتشف أنهم لا يمتلكون مشروعًا دينًيا بل مشروعهم مشروع سياسي خالص، فلجأ للسلفيين ، وجدهم يتحكمون بالله ويحددون له من يدخل الجنة ومن يدخل النار، الأمر الذي جعله يخرج عن دينه وليس عن دين السلفيين فقط، حتى وجد ضالته في التصوف ... إنه الدكتور محمد فكري الجزار، الناقد الأدبي واستاذ النقد الحديث بجامعة المنوفية.
لم يكتف «الجزار» بذلك ولكنه، حاول إلي أن يصل إلي صورة الله التي تحقق العدالة كما كان يتصورها قلبه، فاتجه إلي الشيوعية عن قناعة ولكنه اكتشف أنها عدالة بلا قلب ، وهنا كانت بداية رحلته إلي الصوفية، روى «الجزار» لـ«الدستور» تفاصيل تحوله من الماركسية حتى لحظة الوصول إلي الصوفية ..


- كيف كانت بداية الرحلة من الماركسية إلي الصوفية ؟
لا أحد يبدأ ماركسيا أو شيوعيا ، بدايتي مسلم عادي ، يقرأ نعم ، ولكنه يحتفظ بكونه مسلما ، وأكثر من هذا أردت أن أكون مسلما حقا ، الأمر الذي جعلني أقرأ في كل الاتجاهات الدينية القائمة ، وتحديدا الإخوان والسلفيين ، وجدت أن الإخوان لا يمتلكون مشروعا دينيا ولكن مشروعهم سياسي خالص ، وليست التربية الدينية لشبابهم إلا وسيلة لتطويعهم وإخضاع إرادتهم للقيادات ، فلجأت للسلفيين ، وكانت المفاجأة الكبرى أن علماءهم يتحكمون بالله ويحددون له من يدخل الجنة ومن يدخل النار ، ومن يغفر له ومن لا يغفر له . والحقيقة أن صورة "الله" التي رسمها السلفيون كانت صادمة جدا ، الأمر الذي جعلني أخرج ليس على السلفيين بل على الدين نفسه . وبدأت أبحث عن رؤية بديلة من الدين تحقق العدالة بين الناس كما كان قلبي يتصورها . وطرحت تجربة عاطفية لي سؤال التفاوت بين الناس داخل المجتمع الواحد ، بل العائلة الواحدة ، فقد تم وأد هذه التجربة لاختلاف المستوى الاجتماعي ، يعنون المادي إذ كان الدم العائلي واحد ، وبدأ مسار قراءاتي يتجه ناحية الشيوعية ، وأزداد قناعة بما أقرأ.

- ما الذي وصلت إليه بالماركيسة ؟
ظل قلبي يفتقد المأوى ، وجدت العدالة ولكن بلا قلب ، تركتها ولكني ظللت يساري الرؤية والموقف..

- من أين جاءت نقطة التحول ؟

لم أتحول فجأة ، فقد كان سؤال قلبي يلح عليّ ، أين الحب في هذه العدالة الاجتماعية المطلقة / الشيوعية ، وكان التناقض المر بين الشيوعية وسلوك الشيوعي يهزني نفسيا ، حتى كانت واقعة معينة تعرفت فيها على شيخ صوفي رحمه الله وغفر له ، نظر لي من بين جلسائه وقال لي : أمرك ، فرددت بكلمة واحدة :علمَك . قال : تأخذ عليّ عهدا ؟ قلت دون معرفة بالعهد ولا بالطريقة : نعم .
وأول طريقة أخدت بها العهد كانت الرفاعية غير أني اكتشفت ، بطول المعاشرة ، في الشيخ بالطريقة ما لا أرضاه قلبا وعقلا، فتركته وتركت عهده وطريقته ، وظللت على تصوفي قناعة شخصية به ، نظرا لهذه الطمأنينة التي سكنت قلبي . وتعرفت على شيوخ آخرين كلما وجدت في أحدهم عيبا تركته ، حتى ذهبت غاضبا إلى مسجد السيد أحمد البدوي ، ودخلت مقامه وحدثته كأنه أمامي : لن أبحث عن شيوخ وأنت هنا ، أنت من الآن شيخي وأنا مريدك ، وخرجت من المقام . وقد أكدت وقائع كثيرة لا داعي لذكرها أنه رضي الله عنه وأرضاه قبلني مريدا له ، فأنا – إذن ولله الحمد – صوفي المنهج أحمدي الطريقة .

- هل بايعت فيما بعد أحد من مشايخ الطرق؟
لا.. وشيخي هو السيد أحمد البدوي مباشرة

- وكيف أثر اتجاهك الصوفي على أعمالك الأدبية ؟

التصوف ليس أيديولوجيا لتؤثر في أشغالي أو توجه انشغالاتي ، التصوف تهذيب للنفس تخليا وتحليا وتجليا ، ومحبة للخلق كل الخلق ، وبالتالي فلم أر له أثرا على عملي الفكري .

- وما أثر التصوف على العلاقات والتعاملات مع الوسط الأدبي ؟
ولماذا الوسط الأدبي فقط ؟ أثر تصوفي على علاقاتي كلها ، وما ظنك بعلاقات إنسان لا يستطيع أن يكره أحدا، وإن أساء إليه، تقربا لله عز وجل !! أعتقد أن علاقاتي كلها الاجتماعية والفكرية لا تشوبها شائبة بفضل الله .

- ماذا عن كتابك " النزعة الذكورية في المعجم العربي"؟
اللغة ليست الدين ، والدين لم يفرق بين رجل وامرأة ، ومن أولياء نساء كما منهم رجال وولا فرق ، ومن ثم فلا أظن في كتابي النزعة الذكورية في المعجم العربي ما يمكن أن يصطدم مع تصوفي أو رؤيتي الدينية العامة .
المرأة في اعتقادي الديني مقدمة على الرجل ، فلم يقل الله عز وجل على لسان نبيه أن الجنة تحت أقدام الآباء ، ولا قال أن من ربّى غلامين فأحسن تربيتهما دخل الجنة وإنما قال من ربى جاريتين ، ولم يقل إلا للرحم/المرأة اشتققت لك اسما من اسمي فوعزتي وجلالي من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته ... إلى آخر الأحاديث النبوية والقدسية ... لقد درست اللغة وكشفت مظاهر انحيازها إلى الرجل ، بحكم بداوتها ، ولا أعتقد أني سأغير حرفا لو أ‘دت كتابة هذا الكتاب .

- وكيف قرأت لسانيات الأختلاف عند شعراء السبعينات ؟
كانت دراستي لشعر الحداثة تحديا على أكثر من مستوى ، أما الأول فكان تحديا شخصيا ، فظاهرة الحداثة الشعرية كانت قد استقرت واقعا جماليا ، والدراسات النقدية عنها محصورة في المجلات أو الكتب ، دون أن تجد من يدخلها إلى جدران الأكاديمية . والآخر كان تحديا لمجتمعي المعرفي الذي استنام عند مجموعة من المقولات النقدية عن الشعر يرددها بإذعان وكأنها تنزيل من التنزيل ، وكان تحديا نقديا : كيف يمكن توظيف المنجز النقدي الغربي الثقافة في مقاربة شعر هو شعر عربي مهما بالغ في حداثته . وأعتقد أنني – في هذا السبيل –وظفت أكثر من منهج غربي ، فضلا عن المقولات التراثية التي أحدثتُ فيها تحويلا لتناسب رؤيتي وتناسب النص كذلك .. وأذكر أن اختياري لنماذجي اعتمد معيارا وحيدا هو إفراط النص في حداثته ، لكي تكون مساءلة تلك المناهج عن كفاءتها جذرية ... لقد كانت رحلة لا زالت متعتها تصاحبني حتى اليوم .

- ماذا عن أزمتك مع السلطات السعودية؟
لم تكن أزمة مع سلطات ، بل كانت مع قيادات جامعية يحسبون أن الوافد لديهم لا يجرؤ على إعلاء ضميره على حسابهم ، وقد انتصرت لضميري العلمي وانتصر لي طلابي الذين كانوا يملأون ميدان التحرير في 2011 ، والانتصار – في رأيي -- ينهي الخصومة .

- هل قربك من التصوف له علاقة بالأزمة مع السعودية ؟
لا علاقة مطلقا ، فلو لم أكن متصوفا لمنعني ضميري العلمي من إعطاء الحق لغير أهله ، المشكلة كانت لها أبعاد سياسية إثر ندوة ثقافية ، وظلت مكتومة حتى فجرتها جرأتي على إسقاط ابن نائب رئيس الجامعة بصفر عريض ، هذا كل ما في الأمر .

- ماذا عن اتهامك بأنك محرض على ثورة يناير؟
الثورة على مبارك ، يشرفني أن أحرض عليها ، والثورة على الإخوان يشرفني أن أحرض عليها ، ولكن الاستمرار في الثورة يمكن أن يدمر الوطن ويهدد استقلاله ، ولذا أختلف كثيرا مع السياسات الداخلية للرئيس وحكومته ولكن لا أدعو للثورة عليه ولا أوافق الداعين إليها وهم كثيرون ، موقفي المعلن أن ننتقل إلى المعارضة السياسية الواعية وليس الغوغائية السياسية ، ولعل هذه المعارضة تحقق ما لا تحققه الثورة ودون أي تهديد لاستقرار الوطن واستقلاله .
- ماذا عن موقفك بعد وصول الإخوان إلي سدة الحكم ؟
كنت من أشد المعارضين لهم، بقلمي وفكري، وكل من دافع عنهم من أهل التصوف، لا يمثل إلا نفسه، فهو فقط يتاجر معهم بالدين، ولو دافع عن الإخوان أكابر الصوفية ، لما كان هذا موقفا صوفيا ، بل موقف شخصي ولا يمثل التصوف.
- كيف ترى وضع الصوفية الوقت الحالي ؟
يجب على الدولة دعم أهل التصوف، فلا أمل من تحصين أبناءنا من الإرهاب والتطرف إلا بالتصوف، والدولة تُسخر كل أمكانياتها لمحاربة الإرهاب، وعلى الجانب الأهم يجب عليها محاربة الفكر المتطرف ، ولا بديل من التصوف في محاربة هذا الفكر.

- ما دور مشايخ الصوفية في ذلك؟
شيخ الطريقة يعمل داخل طريقته بتعليم المريدين وتربيتهم تربية روحية ، أما تعميم هذا المنهج فيقع على الدولة ، ولو أن الدولة تبنت منهجا صوفيا في مادة الدين في المدارس ، لانتفى التمييز بين المسلم والمسيحي ، فالرؤية الصوفية لا تميز بين الأديان ولا بين المؤمنين بها ، بل هي رؤية جامعة بيم كل الأديان .

- هل المجلس الأعلى للطرق الصوفية يسعى لاكتساب حقوقه من الدولة؟
الصوفيون ليس لها حقوق لدي الدولة بوصفهم صوفيين ، والمجلس دوره تنظيم أمور الطرق فيما بين بعضها البعض ، أما في الحقوق العامة فالصوفيون مواطنون كبقية المواطنين حقوق أولئك هي هي حقوق هؤلاء.
- برأيك.. من الممكن أن يصعد التيار الصوفي مثل الإخواني ؟
هذا غير ممكن على وجه الإطلاق ، فليس من مبادئ التصوف الانغماس في الدنيا ولا العمل السياسي، ومن عمل منهم بالسياسة فإنما يفعل ذلك باعتباره مواطنا ، وليس بوصفه صوفيا .

- ما هي مشكلة تجديد الخطاب الديني؟
تجديد الخطاب الديني ، كلمة تقال دون إدراك لماهية التجديد أو كيفية تنفيذه أو من يقوم عليه ، فقط ليس أمامنا غير هدف واحد هو مقاومة الفكر المتطرف ، وتجديد الخطاب الديني مسألة تتسع عن مسألة التطرف والظرف الذي يمر به الوطن وبقية الأوطان العربية .
القضية قضية عصر نحكم عليه بفقه أناس عاشوا في عصر آخر ، وهذا أمر لو بعث أئمتنا رضوان الله عليهم لاستنكروه وتشككوا في أننا ذوي أهلية للتكليف أساسا . نحن لا نطالب بتجديد الدين ، بل بتجديد العلم بالدين ، وبالرغم من هذا يقف الأزهر الشريف بقيادته صامتا إزاء هذه الدعوة ، في الوقت الذي تسيل دماء المسلمين بسبب من بعض هذا العلم بالدين .

- كيف نفهم وسطية الأزهر الشريف ؟ هل من فتاواه ؟
نعم الأزهر الشريف من خلال فتاواه هو المؤسسة الدينية المعتدلة والوسطية ، ولكن هل تصدى الأزهر الشريف للخطاب الذي يستند إليه التطرف وناقش أصوله في تراثنا الديني وخطّأ ما هو خطأ ، وعدّل فيما هو صحيح ليلائم العصر الذي نعيشه ؟ هل تصدت مشيخة الأزهر الشريف بكل علمائها للخطاب التراثي حول آيات السيف وأنها نسخت كل آيات قبول الآخر والرحمة به والعدل معه ما لم يكن محاربا !! الأسئلة كثيرة والصمت هو الإجابة الواحدة التي نتلقاها من مشايخنا الأجلاء ومؤسستنا الدينية الأعرق على الإطلاق .
- كيف يمكننا الوصول لتجديد الخطاب الديني؟
قضية تجديد الخطاب الديني – الآن – قضية حياة أو موت ، ولا يجب أن ينفرد بها علماء الدين مع كل تقديرنا واحترامنا لهم ، بل يجب تشكيل لجنة من علماء الدين وعلماء الاجتماع والتاريخ والفلسفة ، لتحديد مشكلاتنا وتوصيفها دينيا ومراجعة الخطاب الديني التراثي الذي تناولها . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى يجب على الدولة تبني منهج التربية الصوفية ودعمه ، فوحده هذا المنهج يصنع مسلما حقا ، ووحده هذا المنهج يقبل الآخر ويعامله بالحسنى التي أمر الله أن نعامله بها ، ووحده هذا المنهج الذي يحصّن المسلم من أن يعبث بعقله اي فكر متطرف دينيا كان أو سياسيا .