رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
ads
حوارات
الخميس 28/ديسمبر/2017 - 07:55 م

«أمان» في منزل رئيس الوزراء المغربي السابق عبد الإله بن كيران

بن كيران مع محرر
بن كيران مع محرر أمان
رسالة المغرب - عمرو رشدي
aman-dostor.org/5207

شخصية مثيرة للجدل، يتهمه خصومه بالتساهل مع الدولة والتأييد المطلق للنظام، ويرد مؤيدوه تلك الاتهامات بأنها نتاج نمطه المؤسسي للقيادة، ومحاولته الإسراع بـ«حركة الإصلاح والتوحيد»، الذراع الدعوي لحزب «العدالة والتنمية»، الذي يقود الحكومة المغربية، نحو أفكار ومبادرات متقدمة وصعبة، تنزع فتيل الأزمة مع الدولة.

هو عبد الإله بن كيران، السياسي المغربي الشهير، زعيم حركة «الإصلاح والتوحيد» ذات التوجه الإسلامي، الأمين العام السابق لحزبها «العدالة والتنمية» منذ 2008، ورئيس الحكومة المغربية عام 2011، الذي أعفي من تشكيل حكومته الثانية هذا العام.

«أمان» زارت «بن كيران» في منزله الذي يسكنه منذ أكثر من 40 سنة، واستمعت لآرائه حول تجارب حركات الإسلام السياسي، بصفة عامة، وجماعة «الإخوان» على وجه التحديد، إلى جانب تعليقه على التطورات الأخيرة المتعلقة بوضع مدينة القدس المحتلة.

لا علاقة لي بـ «الإخوان».. يربطنا «اتفاق في وجهات النظر» فقط.. والقدس «شأن فلسطيني»
حين وصلنا المغرب للقاء رئيس وزرائها السابق، كانت الانتخابات على منصب «الأمين العام لحزب العدالة والتنمية» على وشك الانطلاق، وسط محاولات من «بن كيران» وأنصاره داخل الحزب لتغيير اللائحة الداخلية، بما يسمح بالتمديد له لولاية ثالثة في المنصب، خاصة وأنها تنص على «ولايتين» فقط.

لكن طموح «بن كيران» ورغبة أنصاره تلك لم تتحقق، وظلت اللائحة كما هي دون تغيير، ورغم ما قاله مقربون منه حول مقاطعته وسائل الإعلام، وحزنه على تلك النتيجة، ورده هو على طلبنا بلقاءه في منزله بدعوتنا للانتظار حتى انتهاء الانتخابات، إلا أنه تغلب على أحزانه ومقاطعته للإعلام، ورحب أشد الترحيب بالحوار معه قائلًا: «للمصريين معزة خاصة فى قلبي».

رئيس الحكومة المغربية والأمين العام لحزب «العدالة والتنمية» سابقا يسكن منذ أكثر من 40 سنة، في منزل يمكن وصفه بـ «المتواضع»، في حي «الليمون» بوسط العاصمة «الرباط» بالقرب من المؤسسة التعليمية الخاصة التي كان يسيرها طيلة سنوات، قبل أن يتفرغ لمهامه السياسية رئيسًا للحكومة، التي رفض أثنائها الانتقال إلى فيلا في حي «الأميرات» الراقي.

التقت «أمان» خلال تجوالها في الشارع الموصل إلى منزل «بن كيران» ببعض جيرانه، الذين أكدوا أنه «مواطن عادي» ذو شخصية اجتماعية، يلتقى الناس بانتظام ويعرف مشكلاتهم وهمومهم، ويحاول حلها، حتى عندما كان رئيسا للوزراء، مشيرن إلى أن فكره وسطى وغير متشدد، نافين اتهامات البعض له بأنه «إسلامى وإخواني متشدد».

ورصدنا كذلك وجود بعض الحراس أمام منزله رغم استبعاده من الحكومة، لأنه تلقى تهديدات بالاغتيال على يد تنظيم «داعش» الإرهابي.

بعد دقائق قليلة من الجلوس داخل المنزل، دخل «بن كيران»، ورحب بنا، وجلس لبدء الحوار.
سألته عما يقال عن علاقته الوطيدة بالتنظيم الدولى لجماعة الإخوان، وهو ما يخلق حاجزا بينه وبين المصريين، فتخلص من الجدية المرسومة على جبينه وابتسم قائلًا: «المصريون شعب طيب الطباع».
وأضاف: «فى الواقع ليس لدي أى علاقة بالتنظيم الدولى للإخوان، سوى بعض اللقاءات المشتركة التى جمعتنا سويا، وبعض القضايا التى من الممكن أن تتفق فيها وجهات نظر حزبنا مع الجماعة، لكن نحن لا نأخذ تعليمات ولاننفذ أجندات تابعة للإخوان أوغيرهم، فنحن فى دولة ذات سيادة، يحكمها الملك محمد السادس».

وانتقلنا للحديث عما يحدث فى فلسطين وعن قرار الرئيس الأمريكى بنقل سفارة بلاده إلى القدس واعتبارها عاصمة لإسرائيل، فقال: «القدس هى قضية فلسطينية بامتياز، ويجب على الأشقاء في فلسطين العزيزة البحث عن حقهم الضائع، وعلى الأمتين العربية والإسلامية مساندتهم من أجل إنشاء الدولة الفلسطينية».

وأضاف: «التوجه الأمريكي بشأن نقل السفارة إلى القدس خطوة استفزازية، تعكس محاولة استغلال حالة الضعف والوهن التي يعيشها العرب والمسلمون في السنوات الأخيرة لفرض أمر واقع في فلسطين»، مشددًا على أن «القرار الأمريكي خطأ استراتيجي، ولن يكن له أي أثر إيجابي في المنطقة».

وتابع: «قرار ترامب يجعل الذين راهنوا على الحل السلمي يتراجعون، كما أنه لن يغير من أصل الصراع شيئا، ولن يختطف القدس من أهلها ولن يغير طبيعتها، فالتاريخ ليس فيه ضياع نهائي للحقوق».
واختتم حديثه عن القدس: «الأصل في القضية الفلسطينية ثابت، لأنه يتعلق بمسائل الحق والباطل، والحق أن القدس مدينة عربية إسلامية ومسيحية ويهودية، واسئثار الصهاينة بها بالقوة، هذا منطق الغلبة، الذي لا يصمد مع التاريخ».

لا تطرف أو إرهاب في المغرب.. دور السيسي «محوري».. والملك حمانا من «جماعات الضلال»

تحدث «بن كيران» عن السبب الحقيقي وراء عدم التجديد له لولاية ثالثة فى حزب «العدالة والتنمية»، وقال: «ليس لي الحق فى الترشح لولاية ثالثة، لأن قانون الحزب لايسمح سوى بولايتين فقط».
وأضاف: «رغم عدم وجود إمكانية للترشح، إلا أن بعض قيادات الحزب سعى من أجل مد ولايتي لفترة ثالثة، وهذا لم يحدث»، معتبرًا أن انتخاب «سعد الدين العثماني» أمينًا عامًا جاء بإرادة أعضاء الحزب، و«هذه هى الديمقراطية التي يجب أن نقبلها بكل ماتحمل من إيجابيات وسلبيات».
ورأى «بن كيران» أن «المغرب ليس بها إرهاب أو تطرف»، مضيفًا: «بالنسبة للإرهاب فى باقى العالم، لا أعرف عنه الكثير، وأهل مكة أدرى بشعابها».

تصريح «بن كيران» ذلك يتناقض مع ما صرح به سابقًا بأن «هناك أسباب عديدة أدت الى ظهور الإرهاب فى العالم، من أهمها الفقر المتمكن من العديد من الدول العربية والإسلامية، واستغلته الجماعات المتطرفة فى استمالة الشباب إليها، بالإضافة الى محاولات بعض الدول نشر الفوضى وزعزعة الاستقرار فى المنطقة، خاصة فى العراق والشام ومصر».

وتطرقنا معه إلى تهديدات تنظيم «داعش» الإرهابي له، بسبب ما قاله فى أحد اللقاءات بأن «الملك محمد السادس هدية الله، وسلطته الدينية ضرورية لمواجهة التأويلات والتفسيرات المنحرفة للدين، التي ولّدت الجماعات المتطرفة مثل داعش ونظرائه».

وقال «بن كيران» عن ذلك: «أقول لداعش إن الله خير حافظا وهو أرحم الراحمين، وما دام الإنسان يعمل الخير وكل أمرٍ حسن، فليس هناك أى خوف من تنظيم داعش أو غيره».

وكان رئيس الوزراء المغربي قد زاد في ذلك التصريح عن الملك وقال: «اليساريون والعلمانيون يطالبون بالحفاظ على إمارة الملك للمؤمنين لأنهم يعلمون أن وجودها حماية للجميع ».

ونفى تمامًا ما تردد حول مسئوليته عن خروج تظاهرات في المغرب، حين كان رئيسًا لوزرائها، ضد تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى الحكم فى مصر، وقال: «الرئيس السيسى رئيس لدولة عربية مسلمة، ونحن نكن له كل تقدير واحترام، وجعتني به كثير من الاتصالات، للحديث حول عدد من القضايا فى المنطقة، وأرى أن دوره محورى».

وشدد على أنه «ليس من حقنا معارضة توليه السلطة، فهذا أمر مصري خالص، فكيف لنا نحن كمغاربة أن نعارضه أو نوافق عليه؟.. هذا امر خاص بالمصريين، وهم قالوا كلمتهم واختاروا رئيسا لبلادهم، وعلى ذلك نحن نحترم إرادة المصريين التى أتت به قائدًا ورئيسًا للشعب المصري».

وانتقلنا معه إلى تجربة المراجعات الفكرية التى أجراها مع بعض المتطرفين، فقال: «المغرب لا يوجد به متطرفون، والمملكة بحمد الله محمية من قبل الله عز وجل، بالإضافة إلى السياسة الحكيمة التى للملك محمد السادس لما فيه الخير لخدمة البلاد».

وأضاف: «لكن كان هناك أشخاص ينتمون الى الجماعات السلفية بالمغرب، ويعتنقون الأفكار المتشددة والبعيدة عن الفكر الوسطى الذى يعتنقه المجتمع المغربى، فتم إجراء مراجعات فكرية لهم، وانتشالهم من الفكر المتشدد إلى الاعتدال».

إجابة رئيس وزراء المغرب السابق، قادتنا لسؤاله عن تجربة المغرب فى التصدى للإرهاب، فأشار إلى أن «المغرب تختلف عن دول كثيرة، فى أنها دولة ترفض وجود الأفكار المنحرفة على أرضيها، بالإضافة إلى أن توجيهات الملك كان لها أثرها فى حماية الدولة من جماعات الضلال التى كانت سببا فى خراب كثير من الدول، وجعلها حفنة من التراب بعدما كانت دولا ذات تقدم وازدهار».

والده صوفي وأمه سياسية.. بدايته كانت يسارية.. وأقر بالملك «أميرًا للمؤمنين»

ولد «بن كيران» يوم 2 أبريل 1954 في حي «العكاري» الشعبي بالعاصمة المغربية «الرباط»، وهو ينتمي إلى أسرة فاسية صوفية تعمل في التجارة، وعرف بعض أبنائها بالعلم الشرعي، ومن بينهم «العالية»، وهي أول امرأة اعتلت كرسي العلم في مسجد القرويين، وأخواله من أسرة خزرجية الأصل، استوطنت مدينة فاس قبل قرون.

أخذ «بن كيران» عن أمه الاهتمام بالشأن العام، إذ كانت تواظب على لقاءات حزب «الاستقلال»، وأخذ عن أبيه التصوف والتعلق بتحصيل العلم الديني والميل إلى التجارة، وتلقى تعليمه الديني برعاية والده، فحفظ أجزاء من القرآن الكريم في الكتّاب، واجتاز مراحل التعليم الأساسية دارسًا بمدرسة عليا قبل أن ينخرط في سلك التدريس، وفي سنة 1979 حصل على إجازة في الفيزياء، ثم عيّن أستاذًا بالمدرسة العليا للأساتذة بالرباط.

نال عضوية مجلس النواب عن مدينة «سلا»، المحاذية للعاصمة الرباط، منذ 14 نوفمبر 1997، لـ 3 ولايات (1997 و2002 و2007)، وعُيِّن في منصب رئيس الحكومة لأول مرة عام 2011.

يؤمن «بن كيران» بالإصلاح داخل المنظومة الملكية التي يرى أنها صمام أمان واستقرار المغرب، كما يرى أن مهمة الحركة الإسلامية هي المشاركة في إقامة الدين دون أن يتوقف ذلك على الوصول إلى السلطة، وأنها إذا طلبت الحكم -ولو لإقامة الدين- فسيجري عليها ما يجري على الساسة والحكام، ويعتبر أنّ الوصول إلى السلطة يأتي تتويجا لتغيير المجتمع.

تعاطف في بداية حياته مع تنظيمات يسارية، منها «حركة 23 مارس»، كما اقترب من حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الاشتراكي في ذلك الوقت الذي كان يتردد فيه على حزب الاستقلال، وأخيرا التحق بنكيران بتنظيم الشبيبة الإسلامية عام 1976 بعد واقعة اغتيال الزعيم الاشتراكي عمر بن جلون التي اتهم فيها التنظيم.

درج «بن كيران» سريعا في صفوف الشبيبة ليصبح من قيادات التنظيم، لكنه قرر مع شباب جيله الانفصال عنها عام 1981 احتجاجا على طريقة إدارة المرشد عبد الكريم مطيع للتنظيم.
أسس الشباب المنفصلون حركة «الجماعة الإسلامية» التي كانت كسائر الجماعات الإسلامية آنذاك سرية الطابع، وانتخب «بن كيران» رئيسا لها عام 1986 بأغلبية تجاوزت الثلثين، فقادها لفترتين متتاليتين (1986-1994) كانتا الأهم في تاريخها.

بعد اعتقالات في صفوفها بمدينة «مكناس»، اضطرت الحركة إلى قبول دعوة «بن كيران» للتخلي عن طابع السرية والعمل في العلن.

ومن أجل تقنين الحركة، اقترح تغيير اسمها -بعدما رفضته الجهات الرسمية التي رأت أنه لا يتناسب مع بلد مسلم شعبًا وتشريعًا ويعتبر الملك فيه «أمير المؤمنين»- لتصبح عام 1988 حركة «الإصلاح والتجديد».

تولى مع نائبه الراحل عبد الله بها، عام 1990، وضع وثيقة تقبل فيها الحركة بالنظام الملكي، بل تقر فيها بإمارة المؤمنين التي تؤسس للشرعية الدينية للملك ونظامه من أجل إقرار الشرعية الدينية له، مما يلزمه بهذه الشرعية التي تسوغ للحركة الإسلامية مساءلته عليها ومحاولة إلزامه العمل بمقتضاها.
يرى أنّه إذا كان النظام الملكي هو الضامن لوحدة التراب المغربي، فإن إمارة المؤمنين هي الضامن لإسلامية الدولة وعدم انحرافها أو سقوطها في براثن الأطروحات العلمانية الداعية للتخلص من أي مرجعية دينية.

دخلت الحركة في حوارات مع بعض مكونات العمل الإسلامي مثل رابطة المستقبل الإسلامي وجمعية الشروق الإسلامية (الرباط) وجمعية الدعوة الإسلامية بقيادة عبد السلام الهراس (فاس)، وقد أدت تلك الحوارات إلى وحدة أثمرت حركة «التوحيد والإصلاح» عام 1996.

اهتمام بنكيران بالجانب الدعوي والتربوي لم يؤثر على حسه واهتمامه بالشأن الإعلامي أيضا، فعمل مدير نشر لكل من صحف «الإصلاح» و«الراية» و«التجديد».

كما سعى مع قيادات أخرى من حركته ومن خارجها إلى تأسيس حزب «التجديد الوطني» عام 1992، لكن السلطة رفضت منحه الترخيص القانوني، وحاول مؤسسوه الاندماج في حزب «الاستقلال»، لكن دون جدوى.