رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
ads
تقارير وتحقيقات
الإثنين 25/ديسمبر/2017 - 06:29 م

استراتيجية التنظيمات الارهابية بعد تبدد حلم داعش في العراق وسوريا

استراتيجية التنظيمات
د. رائد العزاوي
aman-dostor.org/5071

كان تنظيم داعش الارهابي ليس سوى واحدة من مئات الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تشكلت منذ سنين طويلة في مابعد الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003، وكل هذه الجماعات لها أهداف مماثلة تتمحور في اقامة خلق دولة الخلافة العابرة للهوية اللوطنية باستخدام القوة العسكرية، وجميعها ترى في الولايات المتحدة حجر عثرة في طريق تحقيق هذا الهدف رغم ان تنظيم داعش لم يوجه ضربات ذات شان في العمق الامريكي.

اما وان التنظيم هزم في العراق فان هذا دفع العديد من المنظمات الجهادية السلفية الأخرى في العراق لتكون على استعداد لتحل محلها طالما استمرت الظروف التي أدت إلى ظهور داعش فالارض العراقية خصبة جدا لظهور التطرف الديني.

وبحلول عام 2016، شكلت الجماعات السلفية الجهادية حوالي 35 في المائة من جميع الجماعات المسلحة الرئيسية في العراق، و50 في المائة من الجماعات المسلحة الرئيسية في الصومال، و70 في المائة من الجماعات في سوريا حيث استطاعات التيارات السلفية ان تقنع العديد من عناصرها بعد فشل تجارب الاخوان المسلمين في مصر وليبيا وسوريا وتونس في تولي ادارة شؤون تلك البلاد، اقنعت التيارات الاكثر تشددا في اجنحة السلفيين الى الانضمام لها وحمل السلاح.

دول هشة وخطاب المتطرف

ان السبب الرئيسي لصعود التنظيمات الاسلامية المتطرفة هو جاهزية التركيبة الاثنية في العراق وامكانية قيام حرب "سنية شيعية " كما حصل في الفترة من 2006 وحتى 2009 زتاريخيا أثبتت الحروب الأهلية أنها أرض خصبة لهذا النوع من التطرف. والواقع أنه طالما استمرت الصراعات الحالية في والعراق وسوريا، فإن المتطرفين الإسلاميين الذين برزوا في هذه الحروب سوف يستمرون في سعيهم المحموم نحو البقاء على الارض لفترة اخرى.

ان الحروب الأهلية خلقت في العراق دولة ضعيفة وفاشلة مكنت للجهات الفاعلة غير الحكومية ممثلة بـ " الحشد الشعبي " أن تنبي قوة هائلة يصعب على الحكومة العراقية السيطرة عليها وهذا هي بالضبط البيئة ما احدث مناخا لنمو أسوأ الجماعات الإرهابية في العالم، بما في ذلك على سبيل المثال حماس وتنظيم القاعدة وتنظيم داعش. 


ان التهديد الرئيسي للتنظيمات الارهابية بكل فروعها بالكامل من الدول غير الخاضعة للحكم التي تعاني من العنف وعدم الاستقرار. ولا تزال الجهود التي تبذلها الجماعات المتطرفة لتحقيق المزيد من جذب عناصر لها تفشل في البلدان الأكثر استقرارا مثل مصر والأردن والمغرب والمملكة العربية السعودية.

وتميل الجماعات الإرهابية إلى الازدهار في الحروب الأهلية لأن بيئة عدم اليقين وانعدام الأمن هي بيئة حاضنة لها إن الأيديولوجيات المتطرفة مثل الجهادية السلفية يمكن أن تساعد نخب المتمردين على حل ثلاث تحديات تسمح لها بعد ذلك بالتغلب على المجموعات المعتدلة.

التحديات في ثلاث محاور 

واول هذه التحديات هو المشكلة المحتملة في عمليات التعبئة والتجنيد مع الحفاظ على ما تبقى من عناصر تنظيم داعش، حيث يجب على قادة المتمردين إقناع بعض الأفراد على الأقل بدفع التكاليف المرتفعة للقتال، وهو شرط يفضل معظم الناس تجنبه. 

وعادة ما تحاول منظمات المتمردين التغلب على هذه المشاكل عن طريق تقديم مكافآت خاصة للمجندين في شكل أموال أو أمن أو إمكانية الوصول إلى النهب. لكن الجماعات المتطرفة، وخاصة تلك القائمة علي العقيدة،لها ميزه خاصة لأنها يمكن ان تقدم تعويضات رخيصة ومؤجلة في شكل الاخرة الابدية أو المكافات في الجنة. ويمكنهم أيضا أن يعدوا بنوع من العقاب الشخصي الذي يمكن أن يكون مدمرا (لعنة أبدية في حالة المسيحية والتكفير في حالة الإسلام)، وهذا اقل تكلفة لفرضها ويستحيل الهروب منها.

اما التحدي التنظيمي الثاني فيتعلق بمشكله العوامل الرئيسية، التي تنشا عندما يتعين علي زعماء التنظيم في تفويض المسؤوليات إلى الصف الثاني وهم في الاغلب غير مسيطر عليهم بالكامل. ولتجنب الهزيمة، يجب علي الصف الثاني من قادة التنظيمات الارهابية ان يجندوا المتطوعين الذين سيبقون أوفياء للمنظمة حتى بعد نشرهم في الميدان. فالايديولوجية المتطرفة يمكن ان في الكشف عن الجنود الأقل التزاما، الأمر الذي يقلل من مشكله سوء الأداء، والتحول الجانبي، والخيانة. ويمكن لقاده المتمردين أيضا استخدام الايديولوجيه للاشارة إلى تفانيهم في قضية ما، مما يسمح لهم باجتذاب المزيد من الجنود الاكثر ولاء وهم محاربون اشرس من سابقيهم.

اما التحدي التنظيمي الثالث فهو تحدي لحكومة العراق ويتمثل في حالة الفساد المالي الذي اضحى مستشريين داخل مفاصل الدولة العراقية " ويكتسي ذلك أهمية خاصة في البلدان التي تعاني من تاريخ من الاستغلال من قبل حكامهم الفاسدين. إن الإيديولوجية المتطرفة، ولا سيما تلك التي تتطلب التضحيات الشخصية من قادتها، يمكن أن تكون وسيلة لنخب الثوار للالتزام بمصداقية بمزيد من السلوك المبدئي في حال وصولهم للسلطة. 

وبإمكان هذه التحديات الثلاثة مجتمعة أن تساعد في تفسير لماذا قد يتفوق المتطرفون على الجماعات المعتدلة من حيث تجنيد الجنود والمؤيدين حتى في البيئات التي تكون فيها تفضيلات معظم المواطنين غير متطرفة.

وكل هذا يوحي بان قاده المتمردين والمواطنين المعتدلين لا يحتاجون إلى الايمان بايديولوجيه لاحتضانها. وقد ظهرت جماعات مثل داعش، والقاعدة، وجبهة النصرة في البلدان الاسلامية، لا لأن المسلمين العاديين أكثر تطرفا أيديولوجيا من بقيتنا، ولكن لان هذه هي البلدان التي يحاول المواطنون فيها خلع الأنظمة الحاكمة التي طال أمدها وحيث توجد حاليا الظروف التي تشجع هذه الأنواع من المجموعات.

السلفية المتشددة الخزين الحاضر للارهاب

انتشرت الجماعات السلفية الجهادية في معظم الحروب الأهلية التي اشتعلت في البلدان ذات الأغلبية المسلمة منذ عام 2003 لأن إيديولوجيتها الخاصة تمثل ميزة جذابة للاستخدام الاستراتيجي للتطرف الذي ناقشناه أعلاه. وقد وجهت منظمات مثل داعش التي تؤكد على العدالة، والشرف، ومحاربة الفساد نداء إلى جزء كبير من السكان في البلدان الإسلامية مثل العراق وسوريا التي لديها تاريخ من الانظمه القمعية. وكان المواطنون يتطلعون إلى تأييد أولئك القادة الذين لديهم بعض الفرصة للبقاء اوفياء لدولة إسلامية عادلة، وتناولت أيديولوجيات هذه الجماعات المتطرفة مخاوف المواطنين الأكثر اعتدالا بأن قادتهم لن يصبحوا فاسدين بمجرد توليهم المناصب. وكان للغة الإسلام المستخدمة من قبل هذه الجماعات صدى لدى العديد من المواطنين الذين مزقتهم الحرب الأهلية، حتى لو كان معظمهم لا يقبلون الفكر الجهادي السلفي. وكان زعيم جماعة التوحيد والجهاد السابق أبو مصعب الزرقاوي أول من استخدم هذه المزايا لمنافسة المجموعات السنية الأخرى. 

وفي المستقبل، سيستخدم آخرون هذه التكتيكات أيضا. ويعني ذلك أن المجموعات من نمط داعش ستستمر في الظهور في هذه البلدان ما دامت الظروف التي أدت إلى ظهورها مسبقا لا تزال قائمة. وهذا يعني أيضا أن هناك حافزا قويا لقادة المتمردين على تبني أيديولوجية متطرفة في أي بلد، مسلم أو غير مسلم يعاني من حرب أهلية، مع تاريخ من الفساد وقلة القيود على السلطة وكان تنظيم داعش واحدا من المجموعات الأولى التي تمكنت من معرفة هذه الإستراتيجية، لكن المؤسف أن مجموعات أخرى يمكن أن تسير على ذات الطريق الذي انتهجه تنظيم داعش الارهابي في العراق.