رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
ads
تقارير وتحقيقات
الأربعاء 22/يناير/2020 - 01:33 م

رغم مقتله.. قاسم سليماني يزلزل الإخوان من الداخل

رغم مقتله.. قاسم
أحمد الجدي
aman-dostor.org/29414

تسبب مقتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني المتواجد في العراق في جدل كبير في أوساط تيار الإسلام السياسي وخاصة داخل جماعة الإخوان الإرهابية حيث تضاربت أراء أعضاء وقادة الجماعة في كل فرع من فروع التنظيم بالعالم ما بين مؤيد لمقتل سليماني واعتباره نصرا للمسلمين وانتقاما من جرائمه بحق أهل السنة في سوريا والعراق، وما بين معارض لعملية اغتياله واعتباره شهيد من شهداء الغدر الأمريكي بالإسلام والمسلمين.
ظهر هذا الخلاف جليا داخل فروع التنظيم الدولي للإخوان بالتحديد بين حركة حماس الفلسطينية وجماعة الإخوان فرع سوريا، حيث كانت لكل جماعة فيهما رأي مختلف عن الآخر بشأن مقتل قاسم سليماني.

بيانات متضاربة
حماس أصدرت بيانا صحفيا حول مقتل قائد فيلق القدس نعته فيه ووصفته بالشهيد واعتبره عملية اغتياله عربدة أمريكية، حيث قالت: قالت حماس في بيانها: تتقدم حركة المقاومة الإسلامية "حماس" بخالص التعزية والمواساة للقيادة الإيرانية والشعب الإيراني باستشهاد اللواء قاسم سليماني -رحمه الله- أحد أبرز القادة العسكريين الإيرانيين، والذي كان له دور بارز في دعم المقاومة الفلسطينية في مختلف المجالات وإذ تنعى الحركة القائد سليماني وشهداء الغارة الأمريكية هذا اليوم فإنها تتقدم بالتعزية للشعب العراقي الشقيق باستشهاد عدد من أبنائه جراء الغارة الأمريكية الغادرةكما تدين الحركة هذه العربدة والجرائم الأمريكية المستمرة في زرع وبث التوتر في المنطقة خدمة للعدو الصهيوني المجرم.

وأضافت في بيانها قائلا: إن الولايات المتحدة الأمريكية تتحمل المسؤولية عن الدماء التي تسيل في المنطقة العربية، خاصة أنها بسلوكها العدواني تؤجج الصراعات دون أي اعتبار لمصالح الشعوب وحريتها واستقرارها.

على الجانب الآخر أصدرت جماعة الإخوان فرع سوريا بيان مؤيد لهذا الاغتيال، وقالت فيه: "وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ”، قُتل قاسم سليماني وهو بين أعوانه وحُرّاسه، وكأن صيحات الأمهات الثكالى في القصير والوعر وغوطة دمشق وحلب ودير الزور شقّت عنان السماء ووصلت إلى المنتقم الجبار، لقد مات سليماني وهو يدعم في سورية قاتل النساء والأطفال ويخطط لتهديم المدن والقرى والبلدات، وقد أفضى إلى ربه ولكن الجرائم التي ارتكب مازالت ماثلةً للعيان، والسكين التي طعن بها قلبَ سورية مازال يجري بالدماء، أما أنتم يا فيلق سليماني والحرس الثوري فنقول لكم إن الطريق إلى فلسطين لايستدعي تدمير معرة النعمان وسراقب وخان شيخون …وإن أطفال الغوطة الذين تواطأتم على قتلهم بالكيماوي لم يكونوا من قتلة الحسين رضي الله عنه، وأطفالنا ونساؤنا ليسوا الإرهابيين، والمخابز والمستشفيات التي دمرتم ليست منصاتٍ لإطلاق الصواريخ على طهران وقم.

واستطردت جماعة الإخوان فرع سوريا بيانها قائلة: لقد عاش شعبنا مرارة القتل تسعَ سنين وها أنتم تعيشونها اليوم أفلا تعقلون؟ أما تعلمون أن الدمار الذي ألحقتموه وألحقَهُ حليفُكم بسورية مُلاقيكم بما صنعت أيديكم “وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"، قد يحسبُ الظالمُ أنه نجا بفعلته، وقد يعجز المظلوم عن رد الظلم عن نفسه إلى حين، ولكن العدالة الإلهية تُسلط على الظالم ظالماً أكبر فيهلَكُ الظالمون بالظالمين، وأخيراً نقول إن تهديمَ البيوت فوق رؤوس الآمنين بالصواريخ ليس بطولةً، وقاتل الأطفال والنساء ليس بطلاً، وقتلهم سقوط أخلاقي سيكتبه التاريخ ويُحاسِب عليه السوريون، “وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ”، “وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ”.

تجاهل إخوان مصر
تجاهل إخوان مصر الحديث عن قاسم سليماني بالسلب أو الإيجاب، ولم تصدر عن الجماعة أي بيان صحفي ناعي لقائد فيلق القدس على الرغم من العلاقة الوطيدة التي تجمعه بإخوان مصر وبالأخص خيرت الشاطر نائب المرشد العام لجماعة الإخوان الإرهابية الذي استقبله في مصر في ديسمبر عام 2012 رغم اعتراض الأمن المصري وقتها بعدف استغلال خبرته في مساعدة إخوان مصر على تشكيل حرس ثوري إخواني على غرار الحرس الثوري الإيراني.
وقد كان هذا اللقاء بحضور المعزول محمد مرسي وعدد من مساعديه بخلاف قادة مكتب الإرشاد.
اجتماع عاجل للتنظيم الدولي
كواليس هذا التجاهل الغريب كشفت عنه مصادر داخل جماعة الإخوان الإرهابية – رفضت نشر اسمها – حيث أكدت أن إبراهيم منير أمين عام التنظيم الدولي عقد اجتماعا عاجلا عبر الفيديو كول مع قادة التنظيم الدولي للإخوان عقب اغتيال قاسم سليماني للتشاور سويا حول موقف الجماعة من عملية اغتيال.
ووفقا للمصادر فإن المشاورات انتهت إلى عدم إصدار جماعة الإخوان أي بيانات رسمية حول عملية الاغتيال إلا أن بيان حماس عقد موقف التنظيم الدولي وجعله يقرر تكليف جماعة الإخوان فرع سوريا بتولي نشر بيان مهاجم لسليماني.
سبب اختيار التنظيم الدولي للإخوان جماعة الإخوان فرع سوريا تحديدا لنشر بيان مهاجم لسليماني ومحتفلا بمقتله هو أن هذا الفرع من الإخوان مناهض للنظام السوري المدعوم من إيران والحرس الثوري الإيراني مما يجعل البيان منطقيا وبنفس منطقية بيان حماس التي نعت سليماني لمصالحها الخاصة الكبيرة مع إيران.
وشهد الاجتماع الدولي أيضا تحذير لقادة إخوان مصر من الحديث عن الموضوع من الأساس سيان بالسلب أو الإيجاب مع أعطاء الحرية لعناصر الجماعة والمؤيدين لها التعليق على الموضوع بشكل طبيعي على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة ما بين مؤيد ومعارض.
سبب رفض التنظيم الدولي بشكل قاطع إصدار إخوان مصر أي بيان صحفي بشأن مقتل قاسم سليماني هو خوف الجماعة من أن تفضح عمالتها بشكل واضح لإيران ضد دول المنطقة العربية وخاصة بعد ما كشفه موقع ذا انترسبت الأمريكي من وثائق حول اجتماعات سرية تمت بين قادة جماعة الإخوان الإرهابية والحرس الثوري الإيراني وعلى رأسه مندوبين من قاسم سليماني شخصية في تركيا عام 2014 لعمل خطة محكمة ضد المملكة العربية السعودية.
ووفقا لهذه الوثائق التي نشرها الموقع الأمريكي فإن قاسم سليماني كان مرشحا بقوة لحضور هذا الاجتماع الهام الذي شهده أحد فنادق إسطنبول إلى أن تركيا رفضت أن تمنحه تأشيرة دخول له خوفا من أن يتم الكشف عن تفاصيل هذا الاجتماع من خلال تعقبه، وقد حضر بدلا عنه أحد نوابه في فيلق القدس باسم أبو حسين والذي استفسر من قادة الإخوان عن حقيقة رغبتهم في التعاون مع بلاده ضد السعودية وهو ما رحب به قادة الجماعة الإرهابية الثلاثة الذين حضروا الاجتماع إبراهيم منير أمين عام التنظيم الدولي ونائب المرشد، ومحمود الإبياري القيادي الإخواني البارز وعضو التنظيم الدولي والذي اعترف في تصريحات صحفية بحضوره هذا الاجتماع، ويوسف ندا مفوض العلاقات الخارجية بالجماعة والذي نفى حضوره هذا الاجتماع جملة وتفصيلا.

خلافات القادة والقواعد
وعن هذه المواقف المتضاربة لفروع التنظيم الدولي للإخوان وتفسيرها، قال خميس الجارحي، المنشق عن الإخوان الإرهابية: الإخوان الآن من كثرة تضاربهم في المواقف خاصة من قبل القيادات أصبحوا يعيشون في تضارب رهيب وقاعدة الجماعة مشوشون لا يستطيعون اتخاذ الآراء إلا بعد انتظار موقف الجماعة بعد التضارب الرهيب بين القيادة والقاعدة وهو ما حدث أخيرا فتجد قواعد الجماعة فرحين بمقتل سليماني بسبب جرائمه التي ارتكبها في حق السنة في العراق وسوريا ثم يفاجئون بقيادة الجماعة وحماس وأردوغان ينعون الرجل ويعبرون عن حزنهم لمقتله ويدينون عملية اغتياله بل ويصفونه بالشهيد، وبالرغم من هذا التضارب إلا أن أتباع الجماعة سريعا ما يغيرون رأيهم ويبررون للجماعة موقفها بزعم أن القيادة تفهم أكثر.
وأضاف في تصريحاته قائلا: موقف الجماعة الرسمي وحماس دليل على التعاون الواضح بينهما وبين إيران خاصة مع الدعم الواضح من إيران لحماس ووجود تنظيم شيعي في غزة وهو جماعة الصابرين، وكما يقال المصالح تتصالح.
البحث عن المصلحة فقط
أما محمد جاد الزغبي الباحث في الشأن الإيراني فقد قال: نقول بأن هذا التضارب ليس تضاربا فى مواقف الإخوان بقدر ما هو طبيعة عامة للتنظيم وطبيعة خاصة لحماس نفسها فيما بعد عهد مؤسسها أحمد ياسين ورجلها الأول عبد العزيز الرنتيسي فالطبيعة العامة للتنظيم الدولى للإخوان أن هناك استعداد تلقائي للتضارب بين فروعه وعدم مناصرة الفروع لبعضها البعض إذا اقتضت المصلحة ذلك وقد رأينا هذا واضحا فى اختلاف المواقف بين فروع الإخوان عالميا بعد سقوطهم فى مصر فرغم مساندتهم لحكم مرسي فى البداية إلا أن حماس فى غزة وحركة النهضة فى تونس قاموا بتعديل مواقفهم من النظام فى مصر بعد فشل الإخوان فى العودة وتحت دافع المصلحة.
واستطرد في تصريحاته قائلا: جماعة الإخوان من بدايتها تنتهج النهج البرجماتى حتى قبل عهد التنظيم الدولى بكثير فرغم أن مؤسسها الأول حسن البنا تم اغتياله على يد الحرس الحديدى للملك فاروق إلا أن الهضيبي المرشد الثانى قام بزيارة الملك فاروق وحصل على مباركته لإعادة الشرعية لتنظيم الإخوان وقال في الملك فاروق العبارة الشهيرة ( زيارة كريمة لملك كريم ) وبعدها ساند الإخوان نظام عبد الناصر ثم انقلبوا عليه أيضا ونفس الأمر مع السادات ومبارك وعندما تم تأسيس التنظيم الدولى فى الثمانينات كانت فروع الإخوان تتعامل بالمصلحة المحلية إذا تضاربت مع المصلحة الأم وذلك حسب ظروفهم فى بلد المنشأ ولهذا كان موقف إخوان سوريا هو معاداة قاسم سليمانى مجرم الحرب الذى دمر وحطم وقتل العديد من أهل السنة فى سوريا دعما لبشار الذى تسانده إيران ويعاديه إخوان سوريا رغم أن التنظيم الأم فى مصر وكذلك حماس في غزة من حلفاء إيران القدامى.
وواصل كلامه قائلا: وقد حصلت حماس على دعم ورعاية إيران فترة طويلة وهو أيضا ما دفعها لتجاهل جرائم سليمانى فى سوريا وإقامة عزاء له مراعاة لإيران ومنطق المصلحة وبنفس المنطق أيضا تعامل حماس مع النظام المصري بعد سقوط الإخوان وتناسوا تماما قضية الإخوان فى مصر رغم تأييدهم لها فى البداية وعادوا للتنسيق الأمنى والسياسي مع مصر واستقبلوا اللواء خالد فوزى رئيس المخابرات المصري السابق وزار وفدهم مصر مرتين أيضا لمناقشة مواقف الفصائل بل إن موقف حماس من إسرائيل صار على نفس الشاكلة وذلك بعد انتهاء عهدها الذهبي الذى كان في أيام مؤسسها الشيخ أحمد ياسين ورجلها الأول عبد العزيز الرنتيسي لهذا كانت إسرائيل حريصة على اغتيالهم فى إصرار لأنهم كانوا مع خيار المقاومة الواضحة والصريحة والبعد تماما عن ألاعيب السياسة وتناقضات المصالح وهم بهذا اختلفوا ــ في عهد الزعيمين الراحلين ــ عن السياسة العامة لتنظيم الإخوان فى مصر وهذه أيضا كانت سياسة الإخوان فى اليمن فى أيام الصراع بين عبد الله صالح وبين عبد ربه منصور هادى حيث تقلبت مواقف الإخوان طبقا للمصلحة إيجابا وسلبا ..فالإخوان فى المجمل تاريخ عريض من التناقضات والصفقات والمدهش أن سياستهم البراجماتية هذه لا يمارسونها فقط فى مواجهة منافسيهم وخصومهم بل يمارسونها حتى فى مواجهة بعضهم البعض.

إرضاء إيران والسعودية
منتصر عمران، الباحث في شئون الإسلام السياسي، أيد هذا الكلام وأضاف عليه قائلا: الاخوان كتنطيم دولي كل فرع له في بلد يعمل لحساب الفرع في وطنه... لذا نرى ونشاهد مواقف الاخوان في كل دولة في بعض الأحيان مخالفة للإخوان في مواطن أخرى فمثلا الإخوان في معظم الدول العربية وبالأخص في مصر وليبيا بعد ثورة يونيو هاجموا النظام السعودي لدعمه الثورة المصرية في حين ان اخوان اليمن خاضوا تحالفا معه، وقد ذكرت ذلك لتفسير الخلاف في الموقف بين حماس وإخوان سوريا، فحماس في تحالف مع إيران وأذرعها المسلحة في معظم بلدان العرب وحماس تمول من إيران بل إيران تدعمها لوجستيا لذلك نعت قاسم سليماني ولا ننسى ان زعيم حماس في غزة حاليا كان مندوب حماس في إيران لسنوات حيث كان يقيم في طهران، أما اخوان سوريا فهم على تفاهم مع السعودية التي تعادي بشار والاخوان في سوريا في عداء مع النظام السوري الذي له تحالف مع إيران لذا خرج الإخوان في سوريا فرحين بمقتل قاسم سليماني.

تفكك التنظيم الدولي أم تقية إخوانية
الباحث في شئون الإسلام السياسي محمد عبد السلام دحروج فسر هذا التضارب في الرأي الإخواني بشأن مقتل قاسم سليماني، قائلا: موقف فروع تنظيم الاخوان المتباين حول مقتل سليماني يؤكد علي أحد شيئين لا ثالث لهما أولهما تفكك كبير وعدم تنسيق بين فروع التنظيم الدولي في ظل قيادة ضعيفة لا تحمل رؤية واضحة للتفاعل مع الأحداث وهذا له تأثير في ظهور انشقاقات ومعسكرات مختلفة متباينة الأراء
وأضاف في تصريحاته الخاصة قائلا: والإحتمال الثاني وهو أن التنظيم الدولي للإخوان سمح لفروعه بالتعقيب علي مقتل سليماني بما يتناسب مع واقع دولهم وما يعزز مصالحهم سواء بالايجاب أو السلب وما يتناسب مع الزخم الشعبي سواء بالفرح لمقتل سليماني أو الحزن عليه وهذا واضح جدا في مناطق التوتر التي ساهم سليماني في تأجيجها وفي كلا الحالتين لم يخلو الأمر من توظيف الحادث والتقية الإخوانية الشيعية المشتركة هي الحاكم في هذا المشهد.
حماس والمال الإيراني
على الجانب الآخر شهدت الأوساط الشيعية وخاصة المصرية سخط كبير على فرع الإخوان في مصر لعدم وجود موقف واضح لها من مقتل سليماني، وكان على رأس الساخطين على الإخوان القيادي الشيعي المصري ياسر فراويلة الذي قال في هذا الصدد: الإخوان فى حالة نشوة وشماتة تامة بعد اغتيال قاسم سليماني الذى تنكروا لجميله بمجرد وصول مرسى للحكم ولا تجد اى اذاعة او بيان لهم وخاصة إخوان تركيا الا وبه كم من الشماتة مثلهم مثل السلفيين.
وأضاف في تصريحاته الصحفية قائلا: الاخوان فضحوا انفسهم بموقفهم من عملية الاغتيال بانهم ينفذون أجندة أرمريكية وانهم هم انفسهم من يدعمون الفوضى في المنطقة.
أما عن رأيه في موقف حماس الداعم لإيران وسليماني، فاستطرد قائلا: حماس تريد ان تنافق حتى تعود المياه لمجاريها بعد قطيعة بسبب تنكرهم لدور إيران معهم لهذا أصدرت هذا البيان من أجل مصالحها فقط ومن أجل الحصول على دعم مالي إيراني لدعم حكمها في غزة.