رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
ads
ملفات شخصية
الخميس 14/يونيو/2018 - 11:56 ص

مالك الأمير عطا.. قصة متفوق تحول لإرهابي

مالك الأمير عطا..
aman-dostor.org/11308

ما انشغلت بصفحة أحد من الجهاديين بقدر انشغالى بـ(مالك الأمير عطا) وصفحته.. كل يوم تقريباً كنت أتابعها، وبسبب استمرار عملها ما زلت رغم وفاته، أدركت بحسى أنه مثل هؤلاء الشباب الذين أعرفهم.. متفوقون علمياً، متدينون بطبعهم، لا انطوائيين، وظروف أسرتهم المادية مستقرة تمامًا، وميسورة الحال، وهذا معناه أنهم غير محتاجين لأموال، ولم يتسبب الفقر فى تحولاتهم الفكرية.

مالك الأمير عطا من هؤلاء، طالب بكلية الهندسة، متفوق مجتهد، حصل له تحول غير اعتيادى، ولم يتنازل عن صفة التدين والأخلاق، وهذا كان واضحًا فى كتاباته، رغم أنه كان مخططًا وقاتلاً محترفاً طيلة عامين سابقين لوفاته مع تنظيم أجناد مصر.

«أحمد محمد أحمد» ٢٢ سنة، طالب بكلية الهندسة، وشهرته «مالك الأمير عطا»، وهو من محافظة الغربية، أقام في القاهرة فترة دراسته بالجامعة.

تحدث «ياسر معجزة» ٢١ سنة، يسكن فى حلوان، أحد أعضاء حركة «أحرار»، عن مالك الأمير عطا، قال: «إنه من أسرة حالتها المادية متيسرة، وأعد نفسه فى أكثر من عملية لـ«الثأر» من النظام الحالي، وهو وراء قتل العديد من قوات الأمن فى مصر، ومنذ أربع سنوات كان مشغولا بالتفكير فى الجهاد بالرغم من صغر سنه، وكان هذا من قبل قيام الثورة، والتحق بالعمل مع جماعة أنصار بيت المقدس، منذ أن كان عمره ١٧ سنة، ثم عمل مع جماعة أجناد مصر فى القاهرة».

أضاف «معجزة»: «إن الأمن حاول تصفيته أكثر من مرة، وقت أحداث عرب شركس، لكن مالك كان ذئبا منفردا، يستطيع تنفيذ العمليات والهروب فى نفس الوقت، ونجح فى تنفيذ عدة عمليات».

تزوج مالك الأمير قبل أربع شهور من مقتله، رغم أنه لم يكمل تعليمه، وعقب موته تم التحقيق مع زوجته التى قالت، إنها الزواج لم يعطله عن عمله في التنظيم،، وإنها كانت تشجعه على ذلك، حتى والد زوجته كان يعرف هذا، ووافق على زواجه من ابنته، رغم أنه كان يتوقع أن يموت أو يعتقل!.

حينما ذاع صيت مالك، اختبأ في شقة مستأجرة فى الدور الرابع بالعقار رقم (١) بشارع سيد زكى المتفرع من شارع العشرين بمنطقة فيصل، رافقه فيها صديقه أبو صهيب الأنصارى سعيد على المصرى، وكان الأخير نشطاً أيضًا في التجنيد على مواقع التواصل.

تحدثت صفحة (المارشال جحا) وهى صفحة جهادية تم إغلاقها فيما بعد، إن مالك فكر فى التوجه لسيناء، فى بداية الأمر، لكن القائد مجد الدين المصرى همام محمد عطية، هو من أقنعه ببقائه في القاهرة، رغم أن فكرة النفير إلى (بيت المقدس) كانت مسيطرة عليه، ويصر عليها، لكن الطريق كان مغلقًا.

وأشار المارشال جحا، إلى أنه جلس سابقا مع مالك فى إحدى زوايا المساجد بالقاهرة وكان مالك يحدثه عن شيخه وقدوته «أحمد عشوش»، القيادى فى السلفية الجهادية، ومؤسس جماعة الطليعة السلفية، والمعتقل حاليا فى السجون المصرية، وقال: إنه بعد انتهاء الجلسة خرجا سويا من المسجد ومشيا معا فى طريق طويل، تحدثا فيه عن حال الأمة العربية والدولة الإسلامية.

كان "عطا" عضوًا في الإخوان، ثم حركة حازمون، ثم انتقل منها إلى أجناد مصر، وأصبح من أكثر ناشري أخبار داعش على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، وكان مؤيداً لداعش.

وقال المارشال: «مالك كان سينفذ هجمة فى ولاية سيناء ولكن قدر الله نافذ»، وأقسم المارشال أن مالك قال له حرفا سأذهب.

في القضية الخاصة بأجناد مصر المقيدة برقم (٣٥) لسنة ٢٠١٤، والمتهم فيها ٢٢ شخصًا جميعهم من العناصر التكفيرية، وتمت إحالتهم لمحكمة جنايات أمن الدولة العليا، قال المتهم الأول إسلام شعبان شحاتة سليمان (اسمه الحركى حسن وتيتو) إنه فى شهر أكتوبر 2014 دعاه «مالك الأمير عطا» للانضمام للأجناد، وحدد له لقاء مع همام محمد عطية القائد للتنظيم، الذى أمده بذاكرة إلكترونية بها عدد من الملفات الداعمة لفكر التنظيم وأغراضه وأهدافه، كما أمده بهاتف محمول للتواصل مع أعضاء الجماعة تجنبا للرصد الأمنى، وكلفه فيما بعد باستخدام تطبيق آمن للمحادثات على الهواتف الذكية، ودربه على رصد التمركزات الأمنية بأن شاركه رصد تمركز أمنى كائن فى مواجهة مستشفى الهرم بالجيزة.

استهدف مالك الأمير، التمركز الأمنى المكلف بتأمين محيط جامعة القاهرة بتاريخ ٢٢ أكتوبر ٢٠١٤، وهو من وضع العبوة الناسفة التى أسفر عنه العديد من الإصابات، كما رصد قسم شرطة الطالبية تمهيدًا لوضع عبوة مفرقعة بمحيطه، وظل لمدة يومين يرصد المكان المناسب لوضعها، ثم أحضر معه عبوة مفرقعة أسطوانية الشكل، موضوعة بداخل كيس بلاستيكى أسود، وهى عبوة مصممة للتفجير بمجرد محاولة إبطال مفعولها، ووضعه خلف إحدى السيارات المتوقفة أمام محطة الوقود الملاصقة لديوان قسم شرطة الطالبية.

فى مساء ذات اليوم تلقى «مالك الأمير عطا» تكليفًا من همام باستهداف القوات الشرطية المكلفة بتأمين محيط قصر القبة، فظل يرصد تلك القوات لمدة أسبوعين، ثم وضع العبوة الناسفة المرتبطة بتلفون محمول، أسفل إحدى الأشجار التى يوجد بمحيطها القوات عادة، مستغلاً عدم وجودهم، ثم تولى مالك الأمير تفجير العبوة بالاتصال هاتفياً بها، مما أسفر عن إصابة ضابطين.

استهدف مالك الأمير، ضباط الشرطة المتمركزين بممر بهلر، ووضع عبوة مفرقعة مموهة على شكل حجر أسمنتى، تحصّل عليها مالك الأمير عطا من القيادى المتوفى همام عطية، أسفل أحد الأعمدة الكائنة بالممر بالقرب من المكان المعتاد لوجود الضباط، وفى اليوم التالى فوجئوا بتحرك العبوة من موضعها، ففجّرها المتهم الحركى مالك الأمير عطا بأن اتصل هاتفياً بها إلا أن انفجارها لم يسفر عن أى إصابات.

"إسلام شعبان شحاته" 23 سنة، طالب بكلية التجارة الفرقة الرابعة جامعة عين شمس، ومنفذ عمليات دار القضاء العالى وسينما رادوبيس، قال إنه تعرف على مالك الأمير عطا عبر الفيس بوك، وكان يتحدث في أمور مثل الحاكمية، وعدم تطبيق الشرع فى البلاد، وأن الجيش والشرطة هم جند الطاغوت، والطاغوت هو كل شىء يتحاكم إليه الناس دون شرع الله.

أضاف في التحقيق معه بالنيابة "فى مرة لقيت مالك بيكلمنى وطلب منى مقابلتى، وتقريباً كنا فى شهر أكتوبر 2014 وفعلاً اتقابلنا واتمشينا فى وسط البلد، وقالى أنى ممكن أبدأ أشتغل فى عمل مسلح فى مصر، وهو عرض عليا الفكرة دى، وقال لى بدل ما تسافر فى سوريا، وقالى أنه هيبقى بإمكانى أشوف أهلى كميزة عن السفر، وقال لى إن فى ناس هنا ممكن أشتغل معاهم وأروح أزور أهلى، أوصلنى بعدها بناس شغالة فى العمل المسلح ضد الجيش والشرطة فى مصر، وكنت ساعتها فى يوم 28 أكتوبر 2014 تقريباً، كلمت مالك واتفقنا أننا نتقابل بعد يومين واتقابلنا عند مسجد الاستقامة بميدان الجيزة، وكان معاه واحد عرفنى عليه اسمه جمال وليه أسماء تانية منها فوزى، وعرفت أن جمال ده هو مسئول التنظيم اللى هشتغل معاه، وطبعاً كل الأسماء كانت حركية".

تابع فى اعترافاته "بعدين مالك مشى، روحت أنا وجمال وقعدنا على قهوة وكلمنى على خبرتى فى التعامل مع الكيماويات وجابلى تليفون G-TID وشريحة وكان بيكلمنى عليه، وقالى مكلمش من الخط ده أى حد، واتفقنا على شفرة فى المكالمة أنه يقولى الميعاد الساعه 11 صباحاً يبقى الميعاد الساعة 9 صباحاً، بمعنى أنه بيقدم الميعاد اللى متفق عليه ساعتين، وفعلاً اتقابلنا تانى يوم فى المريوطية هرم، واخدنى واتمشينا فى شارع الهرم وشرحلى أن شغل المجموعة اللى ماسكها أسمها أجناد مصر، وأن شغلها بيستهدف التمركزات الأمنية ووضع عبوات ناسفة عند التمركزات دى، وإنه بننتظر الوقت اللى أفراد التمركزات بيكونوا فيه غير موجودين، وبنقوم بوضع العبوات الناسفة، وأول لما يرجعوا يقعدوا بنضرب العبوة علشان نستهدف الضباط اللى قاعدين، وساعتها كان فى تمركز أمنى أمام سيتى مول ناحية المريوطية وكان فيه 3 ضباط وعربية أمن مركزى ومدرعة، وركبت مع جمال عربية ميكروباص بتاعة الهرم وعدينا على التمركز، وكنا بنراقبه وبعد كده بننزل عند شارع العريش ونرجع تانى، وكان بيكلفنى إنى أشوف إذا كان كان الضباط بيتحركوا من أماكنهم ولا لأ ولما بيرجعوا بيرجعوا فى نفس أماكنهم ولا بيغيروا الأماكن".

كان يكره الإخوان جداً ر غم أنه كان في صغره عضواً معهم، ولمالك الأمير رسالة مشهورة، بلغت حوالى 3000 كلمة، وجهها لشباب الجماعة، منها: أخي الجماعة تخدعك والله تخدعك، قالت لكم القرآن دستورنا ثم إذا ما تسلموا مقاليد الحكم جعلوا الدستور من كل شىء إلا كتاب الله.. قالوا الله غايتنا ثم هم يضربون بكتاب الله عرض الحائط ويبتغون رضي أمريكا والغرب.. الجماعة تخدعك.. قالت إن شعارها وأعدوا ثم إذا سألتها عن الاعداد قالت لك ليس الآن.. ووالله إنا لننتظر هدايتكم بفارغ الصبر، أسمعوها مني من شبل من أشبال الاخوان المسلمين تربيت في الأسرة معكم ورحلنا للمعسكرات سويًا، وكنت من أوائل الصفوف في الاشتباكات، وجلست في المقرات وقتما كانوا يشعلونها، وكنت عزيزا فيكم، تقدموني للحديث في أوساط الاجتماعات واللقاءات، ولا أقول لكم هذا تفاخرا انما احقاقا للحق ولتعرفوا أني لست غريباً عنكم.

في مرة كان يسير مالك الأمير بالقرب من شارع العشرين هو ورفيقه أبو صهيب، تعرف عليهم أحد المرشدين، وعقب نشرهما بيانًا على شبكة الإنترنت، من أحد المقاهى بالمنطقة، نوها فيه عن عودة «تنظيم أجناد مصر» إلى نشاطه، عقب مقتل القائد همام عطية، تم تتبع البيان، حتى توصلت التحريات إليهما، وتحديد مكانهما، وكانا يتخذان الشقة وكرًا لتصنيع المتفجرات تمهيدًا لتنفيذ أعمال إرهابية.

دارت معركة بين مالك وأبوصهيب مع الأمن: كانت الشرطة حوالى ٦٠ رجلا بعدتهم، ومعهم أربع سيارات جيب قوات خاصة، واستمرت الاشتباكات حوالى ربع ساعة، ضرب مالك عليهم من سلاح كلاشينكوف، لكن الأمن نجح في الاقتحام وقتلهما معاً، بعد إصابة كل منهما بـ٣ رصاصات فى الصدر والرأس، وضبط بحوزتهما بندقية آلية و٣ عبوات ناسفة ومبلغ ١٨ ألف جنيه.

مالك الأمير عطا، نموذج من النماذج الجديدة من أعضاء الأجنحة العسكرية لجماعات الإسلام السياسى، نشأ بعيدًا عن فكرة (الفسططة) أى فسطاط الإيمان، وفسطاط الكفر، كما نشأ بعيدًا عن فكرة الفقر والاقتصاد والظروف الاجتماعية، فهى مختلف تمامًا في تصوراته، و دوافعها.. لعل تلك القصة تجعلنا نفهم طبيعة هؤلاء.