رئيس مجلس التحرير
د. محمد الباز
ads
ما وراء الخبر
السبت 12/مايو/2018 - 09:38 ص

سينما مواجهة الإرهاب مع الجماهير وليس الفن

سينما مواجهة الإرهاب
ماهر فرغلي
aman-dostor.org/10505

مع انفجار العمليات الإرهابية، وتصاعد موجات العنف في العالم العربي، وبروز جيل جديد من الإرهابيين قفز على الاستراتيجيات القديمة، وتوسع في أيديولوجيات التكفير، قدمت السينما العربية وفي القلب منها المصرية، عدداً من الأعمال، تعاملت مع الإرهابي بشكل ممجوج، وقدمت صورة الإرهابي كباحث عن المال والشهرة، شهواني مريض نفسياً.

الإرهابي شهواني وباحث عن المال

السينما المصرية، بدءاً من يوسف شاهين الذي قدم شخصية القائد الإخواني في فيلمه (اسكندرية ليه) إلى فيلم (الخلية) بطولة أحمد عز، وهو آخر الأفلام التي ناقشت الإرهاب، لا فشلت ولا نجحت، وكان الفن الذي تقدمه غير موضوعياً، إذ ارتبطت هذه الأفلام بالقطاع الخاص، الذي يعزف عن تمويلها جيداً، مما أدى إلى انعدام الموضوعية، وزيادة شعبية الإرهابيين، بعد الدعاية، التي فسرت أنها ظالمة، ومضادة للصورة الحقيقية، كما مسلسل (الجماعة) الذي قدمت حلقاته الإخوان على أنها تنظيم ممتلئ بالمفكرين، وأدت إلى تعاطف عكسي معها، وهذه هي إشكالية (كيف نقدم الفن؟).

بدأت سلسلة هذه الإفلام التي تناقش الظاهرة بفيلم (الإرهاب)، إنتاج عام 1989، بطولة نادية الجندي و فاروق الفيشاوي، وهو أول الأفلام التي تناولت الظاهرة، وقدمت فيه بطلة الفيلم دور الصحفية "عصمت" التي تتعاطف مع "عمر" الإرهابي المتهم بعمليات إرهاب ضد أحد الوزارء وسفراء عدد من الدول، ولكنها تشعر ببرائته وتساعده حتي إنها تتوجه لمؤتمر دولي،ويُطلب منها تسليم هدية بها قنبلة لتفجير الطائرة التي علي متنها وزراء لكنها تكتشف ذلك عن طريق الصدفة، ولم يكن هناك أهداف واضحة لتنفيذه لهذه العمليات الإرهابية، وإنما كان التركيز أكبر على اتخاذ كافة الحيل لنجاحها.

فيلم (انفجار) ظهر عام 1990، من إخراج سعيد مرزوق، يتناول شخصية "صديق" المنتمي لإحدى الجماعات الإرهابية، ويقوم بعمل تفجيرات واختطاف لعدد من الرهائن، ولم يبين أسباب ذلك، ولماذا انتهج هذا الفكر، وبعده ظهر فيلم (الخطر) 1990، إخراج عبد اللطيف زكي، بطولة كمال الشناوي و معالي زايد، ويحكي عن مها البحراوي التي يدفعها اليأس من ظروفها الاجتماعية للانضمام إلي مجموعة إجرامية، تقوم بقتل صحفي وخطف أطفال، والفيلم أيضاً لم يوضح أهداف العمل الإرهابي التى أقدمت عليه المجموعة.

في عام 1992 تناول فيلم الإرهاب والكباب ، الظاهرة بشكل لا علاقة له بما يجري على أرض الواقع، وهو كيف أن مواطناً يعجز عن حل عقبات إدارية تواجهه، فيخطف سلاحاً من أحد الجنود، ويحاصر موظفين، إلا أن يأتي الأمن ويتفاوض معه، ولا يجدون له مطلباً سوى أكل الكباب!.

أما فيلم (الناجون من النار) الذي عرض عام 1996، بطولة عمرو عبد الجليل، طارق لطفي، فهو يحكي عن عبد السلام، الذي ينضم لأحدى الجماعات الإسلامية المتطرفة أثناء درسته للطب، وأثناء عملياتهم الإرهابية يواجه أخاه الضابط الذي تطلب الجماعة منه اختطافه لتبادله بعد ذلك مع رموز من الجماعة.

توالت الأفلام بعدها، ففي عام 1999 عرض فيلم (الآخر)، من إخراج وتأليف يوسف شاهين، ومن بطولة هاني سلامة، و(أمن دولة) 1999، إخراج نادر جلال، وبطولة نادية الجندي و محمود حميدة، وفيلم (دم الغزال) 2006، تأليف وحيد حامد، وبطولة نور الشريف، والأخير أبان أن الإرهابي ضحية ظروف اجتماعية، وفي فيلم حين ميسرة 2007، إخراج خالد يوسف، عرض لكيفية نشأة هذه الجماعات، وأن العشوائيات هي من دفعت هذه العناصر لاتباعها.

عرضت كل هذه الأفلام صورة الإرهابي كمنحل متخفي مهزوز يمر بظروف اجتماعية، على سبيل المثال الدور الذي جسده الفنان محمود عبد المغني، الذي انضم إلى جماعة إسلامية بعد أن عمل "طبال"، حيث كان يخفي صداقته مع فتاة الليل خوفًا على صورته أمام  الجماعة، وفي فيلم "طيور الظلام" الذي كان بطله عادل إمام، قدم صورة مضحكة، حين أخذ يدعو الله وهم يؤمنون وراءه، فيما ينهمكون في تناول الطعام، وهذا ما أدى إلى نتيجة عكسية.

كذلك محمد إمام في شخصية طه الشاذلي في فيلم "عمارة يعقوبيان"، كان يتمنى أن يصبح ضابط شرطة، لكن مهنة والده (البواب) حالت دون تحقيق أحلامه، فتحول إلى إرهابي يحمل السلاح فى محاولة للانتقام من المجتمع، كما أن الفنان أحمد عيد في فيلم "أنا مش معاهم"، جسد دور شاب يدرس في كلية الطب يعيش هو وأصدقاؤه حياة مستهترة بين تعاطي المخدرات وإهمال الدراسة، ثم يقع في حب فتاة محجبة متدينة فيتحول إلى إرهابي.


سينما مواجهة الإرهاب

الصورة مغايرة وتراجع للواراء

في عام 1994 ظهر للنور فيلم الإرهابي، الذي تناول لشكل دقيق الظاهرة، وكان من بطولة عادل إمام، الذي كان أكثر الفنانين المصريين تمثيبلاً لهذه النوعية من الأفلام، وأدى في هذا الفيلم دور علي عبد الظاهر، وهو إرهابي منضم لجماعة تكفيرية، وكيف تغتال مفكرين، وتهاجم سيارات السائحين.

كان فيلم الإرهابي هو أدق الأفلام من حيث تناوله للظاهرة، وما بين عام 94، وعام 2017، تطورت الظاهرة، إلا أن السينما لم تتطور، وظهر فيلم (مولانا)، الذي يتحدث عن دعاة الفضائيات، وهو عبارة عن نقل مقالات لكاتبه إبراهيم عيسى، بشكل ممثل مصور بالسينما، وبعده ظهر فيلم "جواب اعتقال" لنجم الشباك الشعبي محمد رمضان، الذي أدى شخصية خالد الدجوي قائد الجناح العسكري لإحدى الجماعات الإرهابية، وبالرغم من ظهوره شديد الشخصية، إلا أن معتقداته كانت مختلفة عما رأيناه من قبل عن شخصية الإرهابي، وأظهر الفيلم الإرهابي أنه يعرف الفعل الإرهابي لكنه يبحث عن المال.

 بدعم مستور من وزارة الداخلية المصرية، تم إنتاج فيلم "الخلية"، الذي تناول قضية الإرهاب، وبالرغم من أن عز جسد شخصية ضابط شرطة بالعمليات الخاصة، إلا أن النجم السوري سامر المصري الذى جسد شخصية الإرهابي مروان، نجح في رصد التطورات التى ظهرت بشخصية الإرهابي، وظهر كقائد لإحدى الجماعات الإرهابية الذي يستطيع أن يستحوذ على عقول أتباعه ودعوتهم للفكر الإرهابي المتطرف، وكان صريحًا مع نفسه ومع المقربين منه، وكان هدفه الأول والأخير هو المال أيضاً، وهذا رغم أن شخصيات إرهابية كبرى لا تحتاج إلى أموال مثل بن لادن والظواهري على سبيل المثال لا الحصر.

 في نفس التوقيت ظهر الفيلم المغربي (ابني كان جهادياً) بطولة الفنان المغربي المقيم بهولندا، عبد الفتاح أحمد صالح، وإخراج الفنان الهولندي (ساندر بورخر)، وقد تناول قضية انخراط الشباب الهولندي من أصول مسلمة في التنظيمات المتطرفة، والجماعات الارهابية، وتدور أحداثه في عام 2013، ويتناول صراعاً يدور داخل عائلة من أصول مغربية، حيث يحاول الأب منع ابنه (مراد) من الانجرار إلى التطرف، والذهاب إلى سوريا، للانضمام إلى تنظيم « داعش» الارهابي، لكن الابن يصر على قراره، وهنا يطرح الفيلم المأزق الذي يعنيه الاب وتردده في إبلاغ السلطات كي يمنع ابنه من الذهاب إلى سوريا ويجنبه الموت.

التدين والإرهاب واحد وليس اثنان

كان يبدو كثيراً في جل الأفلام المطروحة، كيف أنه تم الخلط بين التدين بمعناه الصحيح ، وبين التشدد المرفوض، وجماعات العنف التي حملت اسم الإسلام ظلماً وعدواناً، وبين الإسلام ذاته.

في كتاب (الإرهاب والسينما)، عن دار مدارك، أن موضوع الإرهاب شكّل مادة دسمة في المعالجة السينمائية متعددة الأهداف، فكرة وموضوعاً ووظيفة وغاية، تحت رافعة مقارعة التطرف، حتى باتت هذه الصناعة بمجملها مجنّدة لخدمة موضوع لم تستوف شروط فهم أبعاده وهوامشه وخلفياته بكل تفاصيلها، فأخذت تدريجياً تبتعد عن وظيفتها الأساسية في الابداع الانساني والتجديد والتنوير الثقافي لتقترب أكثر الى محاكاة النموذج السياسي، حتى كادت تكون أداة من أدوات الدعاية السياسية أو مدخلاً لتكريس مشروعية منقوصة.

في دراسة تحليلية بعنوان "الصورة الشريرة للعرب في السينما الأميركية" للباحث الأميركي من أصول لبنانية جاك شاهين، صدرت عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة في جزأين من 1148 صفحة من القطع المتوسط، اكد أن كل الأفلام التي تناولت ظاهرة الإرهاب أخرجت المسلمين العربمتوحشون لا قلوب لهم، وهمجيون متعصبون دينياً، ومهووسون بالأموال، وبرابرة معتصبون حقراء، وأغنياء البترول أغبياء.

لقد كانت معالجة صورة الإرهابي السينمائية ليست عادلة، وهذا ما عبرت عنه الكاتبة التشيكي فرانز كافكا، في تصريح نقلته بعض الصحف المصرية عن فرض السينما سيطرتها بجناحيها الحديديين، التي أطلقتهم عبر الشاشات، مقتحمة عقول المصريين بصور نمطية بعينها لكل فئة من فئات الشعب، وكانت صورة الإسلاميين واحدة  من بينهم، فنجحت في تنميط الشخصية الإسلامية ما بين الواعظ  العاجز الضعيف، أو شيخ السلطة الاستبداية، أو الإرهاربي الذي استحوذ على صورة الإسلاميين في كثير من الأعمال.

يقول الفنان، والمخرج السينمائي المصري، أسامة عطا، إن هناك مخرجين لم يفرقوا بين المتدين والإرهابي، ومنهم عاطف الطيب، الذي قدم الصورة وعكسها في فيلم (الزمّأر)، وفيلم (أبناء وقتلة)، وهذا أبان عن عقب ملتبس، يريد أن يدين، وفي ذات الوقت يدافع.

يضيف عطا، أن الفن ليست مهمته أن يدين أو يحاكم، بل يفسر، وأن يعي الإرهابي نفسه والعالم، وأن يصنع الفن إدراكاً بما هو صحيح، ولا يدين بشكل مباشر، فالمتفرج هو من يصل للإدانة.

عطا قال إن السينما تعاملت مع الجماعات الإرهابية بشكل جزئي، فمرة جعلت الإرهابي يبحث عن المال وأخرى مشوهاً نفسياً، وكانت تقدم حكمها من البداية، حيث وضعت نفسها على منصة القضاء، ولم تضع أسئلة منطقية تجيب عنها، وتشرح لنا أن الإرهابي هو شخص ينتمي لهذا المجتمع، يمارس أفعالاً خارج القانون لاستناد فكري خاطئ.

رغم ترويج السينما – ومن ورائها السياسة – لمصطلح "الحرب على الارهاب" بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، أصبحت علاقة السينما بالإرهاب موضع شك ومساءلة ملحة، خصوصاً وأن الصناعة السينمائية تبدو مطالبة دائماً بالإجابة عن سؤال كيفية "خدمتها الواقع"، ومع موجة الأفلام والمسلسلات الأخيرة ومنها: الخلية، جواب اعتقال، مسلسل الجماعة، وضعت نفسها أمام مأزق حقيقي، وهو الكم في مواجهة النوعية، والجماهيرية في مواجهة الفن. أ.هـــ